بس....................دقيقة انتظر التعليقات

اذهب الى الأسفل

بس....................دقيقة انتظر التعليقات

مُساهمة  Admin في الأربعاء فبراير 16, 2011 2:17 pm

بَسْ دقيقة
>>> بقلم محمد عبد الوهاب جسري
>>> كنت أقف في دوري على شباك التذاكر لأشتري بطاقة سفر في الحافلة إلى مدينة
>>> تبعد
>>> حوالي 330 كم، وكانت أمامي سيدة ستينية قد وصلت إلى شباك التذاكر وطال
>>> حديثها مع الموظفة التي قالت لها في النهاية: الناس ينتظرون، أرجوكِ تنحّي
>>> جانباً. فابتعدت المرأة خطوة واحدة لتفسح لي المجال، وقبل أن أشتري بطاقتي
>>> سألت الموظفة عن المشكلة، فقالت لي بأن هذه المرأة معها ثمن بطاقة السفر
>>> وليس معها يورو واحد قيمة بطاقة دخول المحطة، وتريد أن تنتظر الحافلة خارج
>>> المحطة وهذا ممنوع. قلتُ لها: هذا يورو وأعطها البطاقة. وتراجعتُ قليلاً
>>> وأعطيتُ السيدة مجالاً لتعود إلى دورها بعد أن نادتها الموظفة مجدداً.
>>> اشترت السيدة بطاقتها ووقفت جانباً وكأنها تنتظرني، فتوقعت أنها تريد أن
>>> تشكرني،
>>> إلا أنها لم تفعل، بل انتظرتْ لتطمئن إلى أنني اشتريت بطاقتي وسأتوجه إلى
>>> ساحة الانطلاق، فقالت لي بصيغة الأمر: احمل هذه... وأشارت إلى حقيبتها.

>>> كان الأمر غريباً جداً بالنسبة لهؤلاء الناس الذين يتعاملون بلباقة ليس لها
>>> مثيل.
>>> بدون تفكير حملت لها حقيبتها واتجهنا سوية إلى الحافلة، ومن الطبيعي
>>> أن يكون مقعدي بجانبها لأنها كانت قبلي تماماً في الدور.

>>> حاولت أن أجلس من جهة النافذة لأستمتع بمنظر تساقط الثلج الذي بدأ منذ ساعة
>>> وأقسم
>>> بأن يمحو جميع ألوان الطبيعة معلناً بصمته الشديد: أنا الذي آتي لكم
>>> بالخير وأنا من يحق له السيادة الآن! لكن السيدة منعتني و جلستْ هي من جهة
>>> النافذة دون أن تنطق بحرف، فرحتُ أنظر أمامي ولا أعيرها اهتماماً، إلى أن
>>> التفتتْ إلي تنظر في وجهي وتحدق فيه، وطالت التفاتتها دون أن تنطق ببنت شفة
>>> وأنا أنظر أمامي، حتى إنني بدأت أتضايق من نظراتها التي لا أراها لكنني
>>> أشعر بها، فالتفتُ إليها.
>>> عندها تبسمتْ قائلة: كنت أختبر مدى صبرك وتحملك.
>>> - صبري على ماذا؟
>>> - على قلة ذوقي. أعرفُ تماماً بماذا كنتَ تفكر.
>>> - لا أظنك تعرفين، وليس مهماً أن تعرفي.
>>> - حسناً، سأقول لك لاحقاً، لكن بالي مشغول كيف سأرد لك الدين.
>>> - الأمر لا يستحق، لا تشغلي بالك.
>>> - عندي حاجة سأبيعها الآن وسأرد لك اليورو، فهل تشتريها أم أعرضها على غيرك؟
>>> - هل تريدين أن أشتريها قبل أن أعرف ما هي؟
>>> - إنها حكمة. أعطني يورو واحداً لأعطيك الحكمة.
>>> - وهل ستعيدين لي اليورو إن لم تعجبني الحكمة؟
>>> - لا، فالكلام بعد أن تسمعه لا أستطيع استرجاعه، ثم إن اليورو الواحد يلزمني
>>> لأنني
>>> أريد أن أرد به دَيني.
>>> أخرجتُ اليورو من جيبي ووضعته في يديها وأنا أنظر إلى تضاريس وجهها. لا
>>> زالت عيناها
>>> جميلتين تلمعان كبريق عيني شابة في مقتبل العمر، وأنفها الدقيق مع
>>> عينيها يخبرون عن ذكاء ثعلبي. مظهرها يدل على أنها سيدة متعلمة، لكنني لن
>>> أسألها عن شيء، أنا على يقين أنها ستحدثني عن نفسها فرحلتنا لا زالت في
>>> بدايتها.
>>> أغلقت أصابعها على هذه القطعة النقدية التي فرحت بها كما يفرح الأطفال
>>> عندما نعطيهم
>>> بعض النقود وقالت: أنا الآن متقاعدة، كنت أعمل مدرّسة لمادة
>>> الفلسفة، جئت من مدينتي لأرافق إحدى صديقاتي إلى المطار. أنفقتُ كل ما كان
>>> معي وتركتُ ما يكفي لأعود إلى بيتي، إلا أن سائق التكسي أحرجني وأخذ مني
>>> يورو واحد زيادة، فقلت في نفسي سأنتظر الحافلة خارج المحطة، ولم أكن أدري
>>> أنه ممنوع. أحببتُ أن أشكرك بطريقة أخرى بعدما رأيت شهامتك، حيث دفعت عني
>>> دون أن أطلب منك. الموضوع ليس مادياً. ستقول لي بأن المبلغ بسيط، سأقول لك
>>> أنت سارعت بفعل الخير ودونما تفكير.
>>> قاطعتُ المرأة مبتسماً: أتوقع بأنك ستحكي لي قصة حياتك، لكن أين البضاعة
>>> التي
>>> اشتريتُها منكِ؟ أين الحكمة؟
>>> - "بَسْ دقيقة".
>>> - سأنتظر دقيقة.
>>> - لا، لا، لا تنتظر. "بَسْ دقيقة"... هذه هي الحكمة.
>>> - ما فهمت شيئاً.
>>> - لعلك تعتقد أنك تعرضتَ لعملية احتيال؟
>>> - ربما.
>>> - سأشرح لك: "بس دقيقة"، لا تنسَ هذه الكلمة.
>>> في كل أمر تريد أن تتخذ فيه قراراً، عندما تفكر به وعندما تصل إلى لحظة
>>> اتخاذ
>>> القرار أعطِ نفسك دقيقة إضافية، ستين ثانية.
>>> هل تعلم كم من المعلومات يستطيع دماغك أن يعالج خلال ستين ثانية؟ في هذه
>>> الدقيقة
>>> التي ستمنحها لنفسك قبل إصدار قرارك قد تتغير أمور كثيرة، ولكن
>>> بشرط.
>>> - وما هو الشرط؟
>>> - أن تتجرد عن نفسك، وتُفرغ في دماغك وفي قلبك جميع القيم الإنسانية والمثل
>>> الأخلاقية دفعة واحدة، وتعالجها معالجة موضوعية ودون تحيز،>>>
>>> فمثلاً: إن كنت قد قررت بأنك صاحب حق وأن الآخر قد ظلمك فخلال هذه الدقيقة
>>> وعندما
>>> تتجرد عن نفسك ربما تكتشف بأن الطرف الآخر لديه حق أيضاً، أو جزء منه،
>>> وعندها
>>> قد
>>> تغير قرارك تجاهه.
>>> إن كنت نويت أن تعاقب شخصاً ما فإنك خلال هذه الدقيقة بإمكانك أن تجد له
>>> عذراً
>>> فتخفف عنه العقوبة أو تمتنع عن معاقبته وتسامحه نهائياً.
>>> دقيقة واحدة بإمكانها أن تجعلك تعدل عن اتخاذ خطوة مصيرية في حياتك لطالما
>>> اعتقدت
>>> أنها هي الخطوة السليمة، في حين أنها قد تكون كارثية.
>>> دقيقة واحدة ربما تجعلك أكثر تمسكاً بإنسانيتك وأكثر بعداً عن هواك.
>>> دقيقة واحدة قد تغير مجرى حياتك وحياة غيرك، وإن كنت من المسؤولين فإنها قد
>>> تغير
>>> مجرى حياة قوم بأكملهم...
>>> هل تعلم أن كل ما شرحته لك عن الدقيقة الواحدة لم يستغرق أكثر من دقيقة
>>> واحدة؟
>>> - صحيح، وأنا قبلتُ برحابة صدر هذه الصفقة وحلال عليكِ اليورو.
>>> - تفضل، أنا الآن أردُّ لك الدين وأعيد لك ما دفعته عني عند شباك التذاكر.
>>> والآن
>>> أشكرك كل الشكر على ما فعلته لأجلي.
>>> أعطتني اليورو. تبسمتُ في وجهها واستغرقت ابتسامتي أكثر من دقيقة،
>>> لأنتهبه إلى نفسي وهي تأخذ رأسي بيدها وتقبل جبيني قائلة : هل تعلم أنه كان
>>> بالإمكان أن أنتظر ساعات دون حل لمشكلتي،
>>> فالآخرون لم يكونوا ليدروا ما هي مشكلتي،
>>> وأنا ما كنتُ لأستطيع أن أطلب واحد يورو من أحد.
>>> - حسناً، وماذا ستبيعيني لو أعطيتك مئة يورو؟
>>> - سأعتبره مهراً وسأقبل بك زوجاً.
>>> علتْ ضحكتُنا في الحافلة وأنا أُمثـِّلُ بأنني أريد النهوض ومغادرة مقعدي
>>> وهي
>>> تمسك
>>> بيدي قائلة: اجلس، فزوجي متمسك بي وليس له مزاج أن يموت قريباً!
>>> وأنا أقول لها: "بس دقيقة"، "بس دقيقة"...
>>> لم أتوقع بأن الزمن سيمضي بسرعة. كانت هذه الرحلة من أكثر رحلاتي سعادة، حتى
>>> إنني
>>> شعرت بنوع من الحزن عندما غادرتْ الحافلة عندما وصلنا إلى مدينتها في
>>> منتصف الطريق تقريباً.
>>> قبل ربع ساعة من وصولها حاولتْ أن تتصل من جوالها بابنها كي يأتي إلى المحطة
>>> ليأخذها، ثم التفتتْ إليّ قائلة : على ما يبدو أنه ليس عندي رصيد.
>>> فأعطيتها جوالي لتتصل.
>>> المفاجأة أنني بعد مغادرتها للحافلة بربع ساعة تقريباً استلمتُ رسالتين
>>> على الجوال،
>>> الأولى تفيد بأن هناك من دفع لي رصيداً بمبلغ يزيد عن 10 يورو، والثانية
>>> منها
>>> تقول
>>> فيها : كان عندي رصيد في هاتفي لكنني
>>> احتلتُ عليك لأعرف رقم هاتفك فأجزيكَ على حسن فعلتك.
>>> إن شئت احتفظ برقمي، وإن زرت مدينتي فاعلم بأن لك فيها أمّاً ستستقبلك.
>>> فرددتُ عليها برسالة قلت فيها: عندما نظرتُ إلى عينيك خطر ببالي أنها عيون
>>> ثعلبية
>>> لكنني لم أتجرأ أن أقولها لك، أتمنى أن تجمعنا الأيام ثانية، أشكركِ على
>>> الحكمة
>>> واعلمي بأنني سأبيعها بمبلغ أكبر بكثير.
>>>
>>> "بس دقيقة"...
>>> حكمة أعرضها للبيع، فمن يشتريها مني في زمن نهدر فيه الكثير الكثير من
>>> الساعات
>>> دون فائدة؟
[b]
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 65
تاريخ التسجيل : 19/09/2010
العمر : 49

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://khizaran555.roo7.biz

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بس....................دقيقة انتظر التعليقات

مُساهمة  rahaf kahaleh في الأحد مارس 06, 2011 8:43 am

الموضوع أكثر من رائع Wink cheers king lol!
avatar
rahaf kahaleh

المساهمات : 13
تاريخ التسجيل : 19/10/2010
العمر : 23
الموقع : دمشق

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بس....................دقيقة انتظر التعليقات

مُساهمة  alia halablab في الثلاثاء أبريل 26, 2011 11:57 am

كتييير حلوة هي الحكمة تسلم ايدك يا انسة Very Happy
avatar
alia halablab

المساهمات : 16
تاريخ التسجيل : 03/10/2010
العمر : 23

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى